أبي منصور الماتريدي

227

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وجل - لئلا يكلوا إلى الكثرة ، ولا يعتمدوا على القوة ، ولا يضعفوا ، ولا يجبنوا ، ولا يخافوا غيره ؛ ليعرفوا أن ما أصابهم من الهزيمة والغلبة أصابهم لمعصية كانت منهم ، أو إعجابا بالكثرة ، واعتمادا بالقوة والأسباب ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا . اختلف فيه ؛ قال بعضهم « 1 » : قوله : فِي مَنامِكَ قَلِيلًا المنام نفسه ، كان الله يرى رسوله المشركين في منامه قليلا ، فأخبر بذلك أصحابه بما رأى ، فقالوا : رؤيا النبي حق ، القوم قليل ، ليس كما بلغنا أنهم كثير . فلما التقوا ببدر ، قلل الله المشركين في أعين المؤمنين ؛ تصديقا لرؤيا رسول الله . وقال الحسن « 2 » : قوله : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا أي : في عينيك اللتين تنام بهما ، وهو في اليقظة ؛ لأنه ذكر أنه قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « تنام عيني ولا ينام قلبي » « 3 » ، وإنما أراه إياهم قليلا في العين التي بها ينام ، وهما عينا الوجه ، ويدل على ذلك ما روي عن ابن مسعود « 4 » - رضي الله عنه - قال : لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لصاحب لي : تراهم سبعين ، فقال : أراهم مائة ، حتى أخذنا رجلا منهم ، فسألناه ، فقال : كنا ألفا . فإن كان التأويل هذا الثاني أنه أراهم رسوله قليلا في اليقظة بالذي ينام ، فهو ظاهر . وإن كان أراه إياهم في المنام حقيقة ، فلقائل أن يقول : إن رؤيا الرسول وحي ، فكيف أراه إياهم قليلا وهم كثير خلاف ما هو في الحقيقة ؟ ! قيل : يحتمل أن يكون أراه بعضهم لا الكل ، فهو حقيقة ما أراه إياهم ؛ فكذلك قيل ، والله أعلم . وجائز أن يكون أرى أصحابه إياهم قليلا ، وإن أضاف ذلك إلى رسول الله ؛ دليله ما ذكر في آخره ؛ حيث قال : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ ، وذلك في القرآن كثير أن يخاطب به رسوله والمراد به غيره « 5 » .

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 258 ) ( 16165 ، 16166 ، 16167 ) عن مجاهد . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 341 ) وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد . ( 2 ) ذكره ابن جرير ( 6 / 258 ) ، والبغوي في تفسيره ( 2 / 252 ) ، ونسبه للحسن البصري . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 3569 ) . ( 4 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 259 ) ( 16171 ، 16172 ، 16173 ) ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 342 ) ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة وأبي الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود . ( 5 ) وهذه المسألة تتعلق بدخول الأمر في عموم متعلق أمر ، فالصور في هذا الأمر ثلاث صور هي : - أن يأمر نفسه بلفظ خاص . -